التحول الرقمي لا ينجح بتبني تقنيات جديدة فقط!


في استبيان رأي حديث عام 2019 تم سؤال مجموعة من المدراء العامين والتنفيذيين لمجموعة من الشركات حول اكثر المخاطر التي يواجهونها فكان جواب اغلبهم ان اكثر ما يشغلهم حالياً هو المخاطر المصاحبة للتحول الرقمي. وقد اثبتت الاحصائيات للسنوات الماضية ان 70% من مبادرات التحول الرقمي تبوء بالفشل ولا تصل الى اهدافها. عام 2018 تم صرف اكثر من الف وثلاثمائة مليار دولار على جهود التحول الرقمي عالمياً الا ان اكثر من 900 مليار دولار منها ذهبت هباءاً بلا تحقيق اي نتائج ملموسة!

لذا يرد السؤال التالي بشكل بديهي: لماذا نجحت بعض جهود التحول الرقمي في بعض المؤسسات وفشلت في مؤسسات اخرى؟

واذا اردنا الاجابة بأختصار فأننا نستطيع القول ان ذلك يرجع الى ان التحول الرقمي تقنياً يوفر (امكانيات) زيادة الكفاءة وارضاء الزبون (امكانيات وليس ضمانات!). ولأن اغلب الناس في تلك المؤسسات لم يتم تدريبهم وتغيير عقليتهم بشكل كافي للتغيير ولأن سياسات عمل تلك المؤسسات لم تتغير فأن هذه التقنيات الجديدة ستؤدي الى تضخيم تلك المشاكل المتوارثة في المؤسسة بدل تصحيحها والتخلص منها. اي ان ملخص القول هو: التحول الرقمي=تبني تقنيات جديدة+تغيير عقلية الموظفين+اعتماد سياسات عمل احترافية مبنية على احد هياكل العمل للحوكمة الالكترونية المعتمدة.

في ادناه سنتحدث عن اهم 5 دروس ساعدت وما زالت تساعد المؤسسات لتحقيق تحول رقمي ناجح:

الدرس الاول: اكتشف وافهم ستراتيجية شركتك قبل ان تستثمر في اي شيء: قادة التحول الرقمي في المؤسسات عادة يبدأون من فكرة في عقولهم مثل هذه (مؤسستي بحاجة الى ستراتيجية تعلم الي (machine learning strategy)) ولكن التحول الرقمي يجب ان يتم ادارته وتوجيهه بناءاً على ستراتيجية عمل اوسع واشمل. 

في شركة Li & Fung طور القادة إستراتيجية مدتها ثلاث سنوات لخدمة سوق كانت فيه تطبيقات الأجهزة المحمولة ذات اهمية مطلقة للمؤسسة وعملها. اختاروا ان يركزون انتباههم في ثلاثة مجالات: السرعة والابتكار والرقمنة. سعت الشركة إلى تقليل الفترات الزمنية للإنتاج ، وزيادة سرعة الوصول إلى السوق ، وتحسين استخدام البيانات في سلسلة التوريد العالمية. بعد تحديد أهداف ملموسة، قررت الشركة أي الأدوات الرقمية سيتم تبنيها. وإذا أخذنا سرعة إيصال المنتج إلى السوق كمثال، فإن الشركة تبنت تقنية التصميم الافتراضي والتي ساعدتهم على تقليل الوقت من التصميم إلى حد إنتاج العينة بنسبة 50٪. ساعدت الشركة الموردين ايضاً على تثبيت أنظمة إدارة تتبع البيانات في الوقت الفعلي (real time data tracking) لزيادة كفاءة الإنتاج وبناء ما يسمى Total Sourcing، وهي منصة رقمية تدمج المعلومات من العملاء والبائعين. اتبعت الإدارة المالية نهجًا مشابهًا وخفضت الكلف في نهاية الشهر في وقت الإغلاق بأكثر من 30٪ وزادت كفاءة رأس المال العامل بمقدار 200 مليون دولار. لا توجد تقنية واحدة يمكنها تقديم “السرعة” أو “الابتكار” على هذا النحو. المجموعة الأفضل من الأدوات لمنظمة معينة ستختلف من مؤسسة لأخرى بحسب الرؤية (vision) الخاصة بها. 

الدرس الثاني: الاستفادة من الموظفين الداخليين المطلعين. المؤسسات التي تسعى للتحولات (الرقمية وغيرها) كثيرًا ما تجلب جيشًا من المستشارين الخارجيين الذين يميلون إلى تطبيق حلول مقاس واحد يناسب الجميع تحت اسم “أفضل الممارسات”. أما النهج الافضل لتحويل المؤسسات فهو الاعتماد بدلاً من ذلك على المطلعين – الموظفون الذين لديهم معرفة وثيقة بما ينجح وما لا ينفع عملياتهم اليومية.

تقدم مقاطعة سانتا كلارا في كاليفورنيا (حيث يعمل أحدنا) مثالاً على ذلك حيث تم إعادة هندسة انسياب اعمال قسم التخطيط والتطوير بهدف تحسين الكفاءة و تجربة الزبون. في البداية ، قدم المستشارين الخارجيين توصيات للموافقة على التصريح استنادًا إلى العمل الذي قاموا به بأنفسهم في الولايات القضائية الأخرى، والتي تميل إلى اتخاذ النهج اللامركزي. ومع ذلك، يعرف الموظفون الذين يتعاملون مع العملاء، بناءً على تفاعلاتهم معهم، أن عملية أكثر توحيدًا يمكن استقبالها بشكل أفضل. لذلك اعتمد فريق التحول الرقمي على تغيير وتكييف خطتهم بشكل كبير مع الأدوات والعمليات والرسوم البيانية والعناصر الأساسية الموصى بها (من قبل الموظفين الداخليين المطلعين) حيث أعادوا تصميم تدفق العمل. ونتيجة لذلك، تم تقليص وقت معالجة التصاريح بنسبة 33٪. غالبًا ما تفشل التقنيات الجديدة في تحسين الإنتاجية التنظيمية ليس بسبب عيوب اساسية في التكنولوجيا نفسها ولكن بسبب التغاضي عن اخذ رأي الموظفين الداخليين المطلعين وعدم أخذ خصوصيات المؤسسة بعين الاعتبار. 

الدرس 3: تصميم تجربة العملاء من الخارج إلى الداخل. إذا كان هدف التحول الرقمي هو تحسين رضا وولاء الزبون (وهو كذلك)، فإن أي جهد في هذا السياق يجب أن يسبقه مرحلة تشخيصية متعمقة للمدخلات من العملاء (الزبائن). موظفو إدارة التخطيط والتنمية في مقاطعة سانتا كلارا أجروا أكثر من تسعين مقابلة فردية مع العملاء سألوا كل منهم فيها لوصف نقاط القوة والضعف في القسم. بالإضافة إلى ذلك، عقدت الدائرة مجموعات تركيز (focus groups) والتي قاموا خلالها بسؤال مختلف أصحاب المصلحة – بما في ذلك الوكلاء والمطورون والبناة و المزارعين والمؤسسات المحلية الحاسمة مثل جامعة ستانفورد – لتحديد احتياجاتهم، تحديد أولوياتهم وتقييم أداء القسم. ثم قام القسم بتضمين هذه الردود والاراء كمدخلات في عملية التحول الرقمي. للرد على طلبات العملاء لمزيد من الشفافية حول عملية الموافقة على التصريح، قسم القسم العملية إلى مراحل وغيرت بوابة العملاء بحيث أنه يمكن للعملاء الآن تتبع تقدم تطبيقاتهم أثناء انتقالهم من تطبيق واحد الى المرحلة التالية. لتقليل وقت المعالجة، قام القسم بضبط اعدادات برنامج الموظفين بحيث يتم تلقائيًا تحديد التطبيقات المتوقفة (أو المتأخرة لغرض تسريعها). أما لتمكين المساعدة الشخصية، فقد أعطى القسم

لوحة القيادة لموظفي مركز التصاريح لمراقبة سير عمل التصريح. غالبًا ما يتوقع القادة أن يؤدي تنفيذ أداة أو تطبيق واحد إلى تعزيز رضا العملاء من تلقاء نفسه. ومع ذلك، تظهر تجربة القسم أن أفضل طريقة لتحقيق أقصى قدر من رضا العملاء هي في الغالب إجراء تغييرات على نطاق أصغر على أدوات مختلفة في نقاط مختلفة من دورة الخدمة. الطريقة الوحيدة لمعرفة مكان التغيير وكيفية التغيير هي من خلال الحصول على آراء واسعة ومتعمقة من الزبائن للمؤسسة.

الدرس 4: إدراك مخاوف الموظفين من احتمالية استبدالهم. عندما يدرك الموظفون بأن التحول الرقمي 

قد يهدد وظائفهم، فأنهم قد يقاومون التغييرات بوعي أو بغير وعي. حتى إذا تبين بعد ذلك أن التحول الرقمي غير فعال، فسوف تتخلى الإدارة في النهاية عن جهودها للتغيير (وهو للأسف ما يحصل لدينا كثيراً) وهكذا يحافظ هؤلاء الموظفون على وظائفهم (أو هكذا يفكر الكثيرون). لذا من المهم جداً أن يدرك قادة التحول الرقمي تلك المخاوف والتأكيد على أن عملية التحول الرقمي هي فرصة للموظفين

لترقية خبراتهم لتناسب سوق المستقبل وليس الاستغناء عنهم واستبدالهم.

يذكر احد المدربين في مجال التحول الرقمي والذي قام بتدريب أكثر من عشرين ألف موظف من عدة مؤسسات انه غالبًا ما يصادف المشاركين الذين يشككون في العملية برمتها من أساسها وبدايتها. ردا على ذلك فقد طور عملية “من الداخل إلى الخارج”. حيث يطلب من جميع المشاركين في هذه الاختبارات ان يعددوا ما هي مساهماتهم الفريدة في مؤسساتهم (ما هو الشيء المميز الذي تقدمه للمؤسسة ولا يشاركك فيه أحد؟)، ومن ثم ربط نقاط القوة هذه بمكونات عملية التحول الرقمي – التي سيتولون مسؤوليتها بعد ذلك، إن وجدت وقدر المستطاع. يمنح هذا الاختبار الموظفين التحكم في كيفية تطور التحول الرقمي وتأطير التقنيات الجديدة كوسيلة للموظفين ليصبحوا أفضل فيما كانوا بارعين فيه بالفعل من أعمال. في احد الشركات كان فريق المبيعات يفكر في تبني الذكاء الاصطناعي لزيادة إنتاجيتهم. ومع ذلك، لا تزال كيفية نشر الذكاء الاصطناعي سؤال مفتوح. في النهاية، قام الفريق بتخصيص أداة ذكاء اصطناعي لتحسين جهود كل مندوب مبيعات من خلال اقتراح الزبائن الذين يجب الاتصال بهم، ومتى يتم الاتصال بهم وماذا سيقولون أثناء المكالمة في أي وقت أسبوع. احتوت الأداة أيضًا على مكون التلعيب (gamification component)، مما جعل عملية البيع أكثر اثارة للاهتمام. لاحظ المراقبون لهذه العملية من الداخل، أنها جعلت عملية البيع اكثر امتاعاً وهو ما يُترجم إلى زيادة في رضا العملاء – وزيادة بنسبة 10٪ في المبيعات.

الدرس الخامس: جلب ثقافة الشركات الناشئة في وادي السيليكون إلى الداخل. تشتهر الشركات الناشئة في وادي السيليكون ببرنامجها رشيقة اتخاذ القرار (agile decision making)، والنماذج الأولية السريعة والهياكل التنظيمية المسطحة. وبما أن عملية التحول الرقمي هي عملية غير مضمونة بطبيعتها فأنه يجب إجراء التغييرات مؤقتًا ثم تعديلها؛ القرارات بحاجة إلى تتم بسرعة والمجموعات من جميع أنحاء المنظمة بحاجة إلى المشاركة. نتيجة لذلك فأن الهياكل التنظيمية الهرمية التقليدية (hierarchical organization) عادة ما تعترض الطريق و تؤخر او تمنع عملية التحول الرقمي. لذا من الأفضل اعتماد هيكل تنظيمي مسطح يتم الاحتفاظ به منفصلاً إلى حد ما عن بقية اجزاء المؤسسة. 

هذه الحاجة إلى المرونة والنماذج الأولية تصبح أكثر وضوحًا مما قد تكون عليه في مبادرات إدارة التغيير الأخرى لأنه يمكن تخصيص العديد من التقنيات الرقمية في عالم اليوم مما يجعل الخيارات لا متناهية. يجب على القادة تحديد التطبيقات التي يستخدمها البائعون، و أي مجال من مجالات العمل يستفيد بشكل أفضل من التحول إلى التقنية الجديدة وفيما إذا كان التحول يجب أن يكون على مراحل او لا. غالبا، يتطلب اختيار الحل الأفضل إجراء تجارب مكثفة على الأجزاء المترابطة. إذا كان كل قرار يجب أن يمر عبر طبقات متعددة من الإدارات للمضي قدمًا، فإن ذلك سيجعل من الصعب اكتشاف الأخطاء وتصحيحها مبكراً. علاوة على ذلك، فإن بعض التقنيات الرقمية، لا يمكن مشاهدة فوائدها إلا

بعد تحول جزء كبير من الأعمال إلى النظام الجديد. على سبيل المثال ، يمكن لنظام الحوسبة السحابية المصمم لتجميع طلب العملاء العالمي أن يولد فائدة فقط عندما تقوم المتاجر في بلدان مختلفة بجمع نفس النوع من البيانات بانتظام. هذا يتطلب تسوية الاختلافات في العمليات التنظيمية القائمة عبر مناطق مختلفة. إذا كانت التفاصيل حول كيف سيتم استخدام التكنولوجيا الجديدة وكيف يتم تطويرها تتم بشكل رئيسي من قبل الموظفين من بلد واحد، فهم قد لا يكونون على دراية بأوجه عدم التوافق المحتملة في حالة توظيف التطبيق او الخدمة عالمياً.

نجح التحول الرقمي لهذه المنظمات لأن قادتها عادوا إلى الأساسيات: ركزوا على تغيير عقلية أعضائها وكذلك الثقافة التنظيمية والعمليات قبل أن يقرروا ما هي الأدوات الرقمية التي يجب استخدامها وكيفية استخدامها. ما يتصوره أعضاء فريق التحول الرقمي لمستقبل المؤسسة هو ما قاد التقنيات وليس العكس (الرؤية الستراتيجية تقود التقنية وليس العكس).

المقال مترجم بتصرف من المصدر ادناه

https://hbr.org/2019/03/digital-transformation-is-not-about-technology

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.