من اين بدأت قصة مخاطر الاشعاعات اللاسلكية واضرارها الصحية؟


اليوم اصبحت مسألة ان الموجات اللاسلكية للهواتف الذكية وابراج الاتصالات وشبكات الواي فاي المنزلية تسبب الامراض المختلفة (ابتداءاً من الصداع الى السرطان) مسألة بديهية للكثيرين يتناقلونها كحقيقة مسلم بها علمياً غير ابهين للملايين من العلماء والمختصين حول العالم والذين يقولون العكس!

فكيف بدأت هذه القصة وكيف انتشرت؟

هنا سنحاول الحديث عن هذا الموضوع مقتبسين من مقال نشر في موقع النيويورك تايمز بتاريخ 16-7-2019 (اليوم وهو نفس تاريخ كتابة هذه الكلمات) حيث يقول المقال ان القصة ابتدأت عام 2000 حين قررت ولاية فلوريدا ادخال اللابتوبات الى صفوف مدارسها ليستخدمها طلبتها البالغ عددهم في وقتها 250 الف طالب. ولأن اللابتوبات بطبيعتها تستخدم الاتصال اللاسلكي للشبكات من نوع الواي فاي (Wi-Fi) فقد طلبت ادارة المقاطعة التي تنوي عمل ذلك الرأي الصحي لطبيب اسمه (بيل كوري) ليدرس المسألة ويخبرهم برأيه فقام هذا الطبيب بأجراء بعض الفحوص المختبرية وارجع جوابه لهم بأن الموجات اللاسلكية “محتمل جداً ان تسبب مشاكل صحية” وقد استند في رأيه هذا الى ما وجده عند تعريض الخلايا الحية في مختبره الى الترددات اللاسلكية المختلفة ورأى انه حين نزيد مقدار التردد يزداد معه مقدار الامتصاص بشكل كبير مما فهم منه انه خطر كبير والصورة ادناه تبين المخطط الذي اعتمد عليه والذي اصبح فيما بعد دليلاً تتناقله وكالات الاخبار والمواقع المعنية بنظرية المؤامرة وبث الاشاعات

A 2000 graph by physicist Bill P. Curry purported to show that tissue damage increases with the rising frequency of radio waves. But it failed to account for the shielding effect of human skin.
المخطط الذي بدأت منه الحكاية ويبين المحور السيني فيه تزايد الترددات من اليسار الى اليمين بين التردد 1 ميغاهيرتز والتردد 10 غيغاهيرتز في حين يبين المحور العمودي مقدار الامتصاص من قبل خلايا الدماغ للأشعة

واستمرت القصة منذ ذلك الحين في الكبر والانتشار حتى وصلت الى ما وصلت اليه وتعاظمت مع انتشار الجيل الخامس للأتصالات (5G) ولم ينتبه الكثير من المهولين الى ان صاحبنا الخبير قد فهم المخطط واجرى التجربة بشكل خاطيء تماماً!

كيف ذلك؟

طبقاً للخبراء في علوم الحياة فأن الترددات الراديوية تصبح اكثر اماناً كلما زادت (حتى حد معين وبعدها تصبح خطرة مثل الموجات المستخدمة في الاشعة السينية والتي هي فعلاَ ضارة صحياً).

في مختبره قام الدكتور (كوري) بدراسة كيف تؤثر الموجات الراديوية على النسيج الدماغي بعد اخراجها من الجسم الحي واختبارها لوحدها متجاهلاً دور الجلد في الطبيعة والذي يعمل كجدار واقي يمنع هذه الموجات من الدخول مباشرة الى الانسجة الداخلية في جسم الانسان تماماً كما يفعل الجلد بمنع اشعة الشمس من الدخول الى داخل جسم الانسان مباشرة.

الكثير من الخبراء منذ ذلك الوقت حين ظهر هذا المخطط وحتى اليوم يؤكدون ان الجلد هو الحاجز الذي يمنع دخول هذه الترددات الى داخل الجسم الحي ولكن في المقابل فأن الكثير من المواقع الالكترونية وشبكات التواصل استمرت في ضخ الوقود لزيادة مخاوف الناس من الاشارات اللاسلكية والمطالبة بأزالتها من المدارس ومن كل مكان عن طريق ربطها بالزيادة في سرطانات المخ وغيرها من الامراض.

الخطأ القاتل

رغم ان الكثير من الناس سبقوا هذا الدكتور في ادعاءاته الا انه وبحكم مؤهلاته كان صاحب الصوت الاعلى في هذا المجال فهو يمتلك شهادات في الفيزياء عام 1959 و 1965 وفي هندسة الكهرباء عام 2000 الا انه افتقد الى المعرفة الخاصة في مجال علوم الحياة وهنا وقع في الخطأ القاتل والذي نعاني من تبعاته حتى اليوم. وهنا اجد من المناسب الاشارة الى انه الحكم في هكذا قضايا حساسة يجب ان لا يتم من قبل شخص واحد متخصص في مجال واحد وانما يجب ان يكون نتيجة دراسات مستفيضة من لجان من الخبراء والباحثين ويثبت بالطريقة التجريبية العلمية لكي نعتمد نتائجه.

الجيل الخامس يضيف الى المعادلة زخماً جديداً

رغم ان الدكتور كوري لم يكن الوحيد الذي ادعى المشاكل الصحية المرافقة للموجات اللاسلكية الا انه مع الدكتور ديفيد كاربنتر كانوا اصحاب اعلى الاصوات.

بدأ الدكتور كاربنتر حملته ضد الموجات اللاسلكية منذ الثمانينات من القرن الماضي وهو مستمر حتى الان في الاعتماد على مخطط الدكتور كوري وغيره من “الادلة” والتي قدمها عام 2012 في تقرير من 1400 صفحة الا ان اغلب الباحثين في هذا المجال وصفوا تقريره بأنه “غير مثبت علمياً”.

بعد مرور مدة من الزمن على تكرار ما قاله هذان الدكتوران اصبح الكثير من الناس يتعامل مع عبارة “كلما زاد التردد زاد الخطر” على انها حقيقة مسلم بها حتى وان رفضها اغلب المجتمع العلمي. ومع ظهور وانتشار الجيل الخامس كثف الدكتور كاربنتر من هجمته وحملته في مختلف وسائل الاعلام وحتى بعض المجلات العلمية

تراجع عن موقفهم بشكل خجول:

في مقابلة حديثة مع دكتور كاربنتر سأله المقدم عن رأيه في الجيل الخامس فأعادة مقولته المشهورة “كلما كان التردد اعلى كان الخطر اكبر على الدماغ” ولكنه اثناء المقابلة ذكر ان الموجات المستخدمة في الجيل الخامس لا تخترق اجسام البشر ولذا وهنا سأقتبس كلامه بالانكليزي ثم اترجمه (maybe it’s not that big a deal) او “ربما الامر ليس بهذه الاهمية” اي انه بما ان الفحوصات المختبرية منذ 40 عاماً تثبت كلها ان الموجات اللاسلكية المستخدمة في اجهزة الاتصالات والشبكات لا تخترق جسم الانسان لذا ربما لا نحتاج تهويل موضوع المشاكل الصحية!

اما الدكتور كوري وبعمر 82 سنة وفي مقابلة تلفزيونية قال بأنه لم يعد يتابع الصناعة اللاسلكية وانكر اعترافه بأي من الانتقادات التي وجهت له قائلاً “يمكنهم ان يقولوا ما يشاؤون اما انا فسأترك الموضوع للشباب وادعهم هم يكتشفون الامر بأنفسهم”.

اخيراً احب ان اضيف ملاحظة طالما احببت ان اذكرها:

كلامي هنا موجه للمؤمنين بنظرية المؤامرة وان الصناعة اللاسلكية ترشي وتبتز كل من يخالف اوامرهم وانهم حتى لو وجدوا الدليل على اضرار صناعتهم فأنهم لن يعترفوا بذلك للحفاظ على مكاسبهم وسيهددون كل من يتكلم ضدهم اقول:

1- لم نسمع يوماً من الايام ان احد الدكاترة او الباحثين الذين تكلموا ضد الموجات اللاسلكية (من امثال الدكتور كوري وكاربنتر) قد تعرضوا الى تهديد او مضايقة او تصفية.

2- اذا كان ارباب هذه الشركات والاساتذة في الجامعات كلهم بلا ذمة ولا ضمير ولا يهمهم سوى المال وكان ما يقال صحيحاً فكيف سيحمون انفسهم وعوائلهم من اخطار هذه الاشارات المنتشرة اليوم في كل مكان؟ هل من المعقول ان يكون كل هؤلاء اغبياء الى درجة اهمال كل الادلة العلمية (ان وجدت) ويصنعوا ما يقتلهم ويقتل اطفالهم وعوائلهم ومن يحبون؟ اي منطق هذا؟

3- ختاماً احب ان اكرر ما قلته سابقاً ان هناك فئة من الناس تحب ان تعيش في اجواء السرية والمؤامرات والقصص الخيالية ويجتذبهم اكثر قصص الاشرار وكيف انهم يدمرون كل شيء حولنا فقط ليريحوا ضمائرهم من الشعور بالذنب وليريحوا عقولهم من التفكير ويخلدوا الى النوم!

تحياتي للجميع

المصدر في الرابط ادناه
http://www.mediafire.com/file/82qwfcz5kjwqieg/The_5G_Health_Hazard_That_Isn%25E2%2580%2599t_-_The_New_York_Times.pdf

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.