هل يتحمل التدريسي كل المسؤولية؟


Image result for blaming the teacher

في عالم اليوم حيث التنافس على فرص العمل على اوجه وحيث مقولة (البقاء للأصلح) تتجلى بأبهى صورها، يبرز التساؤل التالي:

ما هو السبب في اخفاق الكثير من الخريجين في انشاء عملهم الخاص او التنافس للحصول على عمل محترم او تلبية احتياجات سوق العمل من المهارات والمعلومات؟ وخصوصاً في مجال تكنولوجيا المعلومات؟

ويأتي الجواب مسرعاً: المناهج متخلفة والتدريسيين في عالم شبه منعزل عن التطورات المتسارعة حولنا ولذلك يتخرج المختص في مجال تكنولوجيا المعلومات وهناك فجوة كبيرة بينه وبين ان يحقق احلامه.

السؤال الان: هل التدريسي هو المسؤول الوحيد عن هذا الوضع؟ وهل يختلف دور التدريسي في العراق خصوصاً والعالم العربي عموماً عنه في امريكا واوربا ودول شرق اسيا؟

سأحاول الجواب عن هذه الاسئلة في هذا المقال من المنطلقات التالية:

1- لكوني كنت طالب بكالوريوس في جامعة البصرة – كلية الهندسة بين العامين 2003-2007.

2- لكوني كنت طالب ماجستير في نفس الجامعة بين عامي 2007-2010.

3- لكوني كنت مدرس في جامعة حكومية وجامعة اهلية للفترة بين 2010-2014

4- لكوني طالب دكتوراه من بداية عام 2015 ولحد الان (في الولايات المتحدة الامريكية).

الخطأ الاول:

يعلم الجميع ان كليات تقنيات المعلومات من هندسة وعلوم وتقنية تركز بالدرجة الاساس على التفكير المنطقي لبناء انظمة (برمجية او صلبة) لحل مشاكل حقيقي في العالم الحقيقي وهذا يفرض على المتخصصين في هذا المجال ان يكون لديهم المام قوي في الرياضيات واللغة الانكليزية والتفكير المنطقي والفيزياء وهذه الامور يفترض ان يمتلكها (او على الاقل اساسياتها) الطالب قبل الدخول الى الجامعة ويقوم بأكتساب البقية اثناء المراحل الاولى والثانية من الكلية ليتمكن من فهم المناهج العلمية بشكل صحيح.

جميل جداً، فأين الخلل والخطأ هنا؟

الخلل والخطأ هو ضعف المناهج التعليمية في كل المراحل قبل الجامعة وكذلك التهاون في النجاح وحتى المعدلات التي تقبل في كليات هندسة الحاسوب وعلوم الحاسوب (حيث وصلت الى 55% او 60% في بعض الجامعات الاهلية والمسائية وحتى الحكومية في بعض الاحيان!) وبالتالي انخفضت نوعية الطلبة المقبولين في هذه الاقسام مما اثر سلباً على كم ونوع المادة المعطاة لهم.

الخطأ الثاني:

تركيز الوزارة (وزارة التعليم العالي والبحث العلمي) على الكمية وليس النوعية في الخريجين بحيث تأتي قرارات الوزارة كل يوم لمنح درجات “مساعدة” ودور ثاني وثالث للطلبة والسماح بالعبور والتحميل مما شجع الكثير من الطلبة على التسيب وعدم الاجتهاد في الدراسة (لأن النجاح مضمون ومن امن العقاب اساء الادب) ثم يأتي نفس هؤلاء الذين قضوا السنوات الاربعة او الخمسة في الكلية يتذمرون من صعوبة المناهج وكثرتها ويغشون في الامتحانات ويستغلون كل ثغرة في القانون للنجاح بلا استحقاق، يأتي هؤلاء نفسهم للتذمر من ضحالة المادة العلمية التي يمتلكونها حين التخرج وقد ساهم الكثير منهم في ذلك بشكل مباشر او غير مباشر (من خلال السكوت عن التصرفات سابقة الذكر وعدم الوقوف مع التدريسي الذي يريد ان يفيد الطلبة والامثلة الواقعية على هذا اكثر من ان تعد او تحصى).

Image result for blaming the teacher

الخطأ الثالث:

الخطأ الاكبر الذي يقع فيه كل من الطلبة والاساتذة على حد سواء هو توقع ان المحاضرة والكورس الاكاديمي يفترض ان يقدم للطالب كل شيء ويفترض ان يخرج الطالب من كورس البرمجة مبرمج ومن كورس الشبكات خبير ومن كورس قواعد البيانات متخصصاً في هذا المجال والحال ان هذا الشيء مستحيل نظرياً وعملياً وكما سيتضح في السطور القادمة:

Image result for blaming the teacher

سأتخذ مثالاً واحداً من جامعتي التي ادرس فيها الان ويمكن القياس عليه لبقية الكورسات والتخصصات. في جامعتي كورس اسمه (Database/Scripting languages) ويمكن زيارته في الرابط التالي (انقر هنا) ويعطى هذا الكورس لطلبة المرحلة الرابعة او المرحلة الاولى من الماجستير لطلبة علوم الحاسوب ويستغرق هذا الكورس 25 ساعة تدريس تمتد من اواخر الشهر الثامن (اب) حتى اوائل الشهر الثاني عشر (كانون الاول) ويتناول المواضيع التالية (قواعد البيانات، SQL، mySQL، perl، php، xml، javascript، HTML، Ajax) وغيرها من المواضيع الاخرى. يمكن للمختصين في مجال البرمجة ان يعرفوا ان كل واحدة من هذه المواضيع تحتاج اكثر من 25 ساعة لوحدها للألمام بها واحترافها بل ان كل واحدة منها تعطى في مناهجنا العراقية والعربية في كورس مستقل وربما تستغرق عاماً كاملاً وليس كورساً واحداً للتعرف على اساسياتها فقط. وهنا يبرز السؤال: هل يقبل اي طالب لدينا بأن يتم تدريسه كل هذه المواد في كورس واحد؟ سأجيبكم ببساطة (قطعاً لا) فأي طالب عربي مهما كان مجتهداً ومهما كانت خلفيته العلمية ممتازة فلن يرضى ان يدرس كل هذه المواد في كورس واحد والسبب هو كل ما ذكرناه سابقاً من ضعف الاعداد قبل الكلية والقناعة الذهنية ان الطالب هو متلقي فقط وان التدريسي يجب ان يشرح كل شيء بحذافيره وان الطالب يفترض ان ينجح بغض النظر عن الجهد الذي يقوم به للنجاح وغيرها الكثير من الاسباب الاخرى.

الان كيف يستطيع التدريسي في جامعة تنسي في امريكا اعطاء هذا الكم الهائل من المعلومات للطالب في كورس واحد وفي اقل من 25 ساعة تدريس فعلية؟

الجواب كما رأيته يتلخص بالنقاط التالية:

1- يفترض بالطالب الذي يحضر هذا الكورس (في المرحلة الرابعة) ان يكون ملماً بكل اساسيات البرمجة من السنين السابقة ويتأكد التدريسي من ذلك من خلال نظام الجامعة الذي يمنع الطلبة من التسجيل على هذا الكورس ما لم يكونوا قد تجاوزوا عدة كورسات قبله تعتبر التمهيد له.

2- حين يشرح التدريسي فأنه يفترض ان كل الجالسين امامه يفهمون ما يشرح ومن لا يفهم فأنه سيقوم بسؤال زملائه والانترنت بعد المحاضرة او قبلها حيث ان التدريسي يعطي واجب قراءة (reading assignments) للطلبة قبل المحاضرة لكي يستطيعوا فهم ما يشرحه وبالتالي تجد الطالب يقضي عدة ساعات قبل المحاضرة يقرأ من المصادر الاصلية (كتب او مواقع انترنت او محاضرات او اي مصادر اخرى يعطيها التدريسي) قبل ان يحضر المحاضرة التي تكون حينها تحصيل حاصل.

3- لتعزيز فهم الطلبة للموضوع يكون كل كورس مرفق بمشروع عليه درجات تتراوح بين 10 الى 50 بالمئة من الدرجة النهائية ويفترض بالطالب (او مجموعة من الطلبة 2 او 3 على الاكثر) ان يقوموا بتسليم برنامج شغال 100% مع نهاية الكورس قاموا ببرمجته بأستخدام ما تعلموه اثناء الكورس للدلالة على انهم استفادوا مما تعلموا وطبقوا المعلومات النظرية بشكل عملي ناجح حتى يتجاوزوا الكورس.

4- المختبرات يقودها طلبة الدراسات العليا او ما يسمى (Graduate Teaching Assistants GTA) حيث تحدد ساعات محددة لكل مختبر (lab) ويمتلك الطلبة حرية الحضور من عدمه بحسب حاجتهم الى ذلك ويقومون بالدخول الى حساباتهم الالكترونية في الجامعة لتطبيق متطلبات المختبر والتي يشرحها بالتفصيل المدرس المساعد (GTA) وتوفر الجامعة كل البرمجيات والادوات اللازمة لتطبيق اللاب مهما غلى ثمنها او صعب الحصول عليها.

Image result for computer lab

الخطأ الرابع:

الذهنية العراقية والعربية الباحثة عن وظيفة حكومية بغض النظر عن ايجابياتها وسلبياتها وعدم الطموح لأبعد من ذلك. وهناك مشهد في فلم الشبكة الاجتماعية (social network) الذي يشرح كيف نشأ موقع الفيس بوك يقول فيه التدريسي في جامعة هارفارد لطلبته في المرحلة الثانية (نحن لا ندرسكم في هارفارد لتتخرجوا وتعملوا عند غيركم، وانما ندرسكم لتتخرجوا وتبدأوا عملكم لوحدكم) وهذا بالضبط ما يحتاج طلبتنا ان يضعوه نصب اعينهم وفي بالهم منذ اول يوم في الكلية وحتى التخرج وخصوصاً مختصي تقنيات المعلومات.

Image result for start your own job

عوامل مساعدة مفقودة في المعادلة الاكاديمية العربية:

من الامور الاخرى التي تفتقدها جامعاتنا العربية عموماً والجامعات العراقية بشكل خاص هو التدريب للطلبة قبل التخرج حيث نرى ان الطالب يتخرج وهو لم يحتك بسوق العمل الحقيقي في حين نرى طلبة الجامعات العالمية يبدأون بالعمل التطوعي (المجاني في اغلب الاحيان) في العطل الصيفية ابتداءاً من المرحلة الاولى ويبدأون بالتقديم لعمل تدريبي او ما يسمى (internship) ليعملوا في شركات بصفة متدربين وبرواتب جيدة منذ نهاية المرحلة الثالثة بحيث ترى اغلب الطلبة يحصلون على وظائف قبل التخرج او يضمنون مكانهم في تلك الشركات بعد التخرج مباشرة وتفتخر الجامعة بأن توفر ما يسمى (job fair) او معرض وظائف بدعوة الشركات المحلية (حكومية واهلية) التي تحتاج موظفين ومتدربين، حيث تقوم الجامعة بأقامة هكذا معارض وتدعوا لها كل من الشركات والطلبة وتراهم جميعاً يحضرون بملابسهم الرسمية الانيقة ومعهم احلامهم وسيرهم الذاتية المرتبة (وهم ما زالوا طلبة) حيث يرفقون في تلك السير الذاتية مهاراتهم الشخصية والكورسات التي تجاوزوها في الجامعة والمشاريع التي انجزوها في تلك الكورسات مما يشجع الشركات على تعيينهم ولو بصفة موقتة للتدرب والممارسة العملية لما تعلموه في الجامعة وبالتالي ردم الهوة بين الاكاديمية وسوق العمل (ان وجدت اصلاً في حالتنا هذه 🙂 ).

Image result for internship

طبعاً كل ما سبق ذكره لا يعني تبرئة التدريسيين من الخلل والتقصير فهم جزء من الصورة الكبيرة لما نحن فيه ولكن كل ما ذكر مفاده ان التدريسيين ليسوا هم فقط السبب

هذه فقط بعض الامور التي اردت الحديث عنها وهناك المزيد ولكن اعتقد ان الاطالة اكثر

ستكون مملة وما ذكر فيه كفاية للمهتمين وتمنياتي للجميع بالتوفيق.

اخوكم مصطفى صادق لطيف

4 comments

  1. في نهاية فترة التسعينات كانت شركات القطاع العام تتعاقد مع طلبة الكليات الهندسية قبل التخرج وكان اغلب الطلبة يعملون مع تلك الشركات في العطلة الصيفية
    الخلل يبدأ من المرحلة الابتدائية من نوعية المناهج والبنايات المدرسية ونوعية الاسئلة الوزارية وكذلك التدريسي ثم تتراكم المشاكل في المرحلة الثانوية
    تطبيق انظمة وتجارب فاششلة مسبقا عند دول تخلت عنها والاهم هو عدم محاسبة الطالب المسي واصبحت المدارس للتعليم والتعلم بلا تربية

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s